حديث ( هِرَقْلَ أَرْسَلَ إِلَيْهِ فِي رَكْبٍ مِنْ قُرَيْشٍ وَكَانُوا تِجَارًا بِالشَّأْمِ فِي الْمُدَّةِ الَّتِي كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ )

حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ الْحَكَمُ بْنُ نَافِعٍ قَالَ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ أَبَا سُفْيَانَ بْنَ حَرْبٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ هِرَقْلَ أَرْسَلَ إِلَيْهِ فِي رَكْبٍ مِنْ قُرَيْشٍ وَكَانُوا تِجَارًا بِالشَّأْمِ فِي الْمُدَّةِ الَّتِي كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَادَّ فِيهَا أَبَا سُفْيَانَ وَكُفَّارَ قُرَيْشٍ فَأَتَوْهُ وَهُمْ بِإِيلِيَاءَ فَدَعَاهُمْ فِي مَجْلِسِهِ وَحَوْلَهُ عُظَمَاءُ الرُّومِ ثُمَّ دَعَاهُمْ وَدَعَا بِتَرْجُمَانِهِ فَقَالَ أَيُّكُمْ أَقْرَبُ نَسَبًا بِهَذَا الرَّجُلِ الَّذِي يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيٌّ فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ فَقُلْتُ أَنَا أَقْرَبُهُمْ نَسَبًا فَقَالَ أَدْنُوهُ مِنِّي وَقَرِّبُوا أَصْحَابَهُ فَاجْعَلُوهُمْ عِنْدَ ظَهْرِهِ ثُمَّ قَالَ لِتَرْجُمَانِهِ قُلْ لَهُمْ إِنِّي سَائِلٌ هَذَا عَنْ هَذَا الرَّجُلِ فَإِنْ كَذَبَنِي فَكَذِّبُوهُ فَوَاللَّهِ لَوْلَا الْحَيَاءُ مِنْ أَنْ يَأْثِرُوا عَلَيَّ كَذِبًا لَكَذَبْتُ عَنْهُ ثُمَّ كَانَ أَوَّلَ مَا سَأَلَنِي عَنْهُ أَنْ قَالَ كَيْفَ نَسَبُهُ فِيكُمْ قُلْتُ هُوَ فِينَا ذُو نَسَبٍ قَالَ فَهَلْ قَالَ هَذَا الْقَوْلَ مِنْكُمْ أَحَدٌ قَطُّ قَبْلَهُ قُلْتُ لَا قَالَ فَهَلْ كَانَ مِنْ آبَائِهِ مِنْ مَلِكٍ قُلْتُ لَا قَالَ فَأَشْرَافُ النَّاسِ يَتَّبِعُونَهُ أَمْ ضُعَفَاؤُهُمْ فَقُلْتُ بَلْ ضُعَفَاؤُهُمْ قَالَ أَيَزِيدُونَ أَمْ يَنْقُصُونَ قُلْتُ بَلْ يَزِيدُونَ قَالَ فَهَلْ يَرْتَدُّ أَحَدٌ مِنْهُمْ سَخْطَةً لِدِينِهِ بَعْدَ أَنْ يَدْخُلَ فِيهِ قُلْتُ لَا قَالَ فَهَلْ كُنْتُمْ تَتَّهِمُونَهُ بِالْكَذِبِ قَبْلَ أَنْ يَقُولَ مَا قَالَ قُلْتُ لَا قَالَ فَهَلْ يَغْدِرُ قُلْتُ لَا وَنَحْنُ مِنْهُ فِي مُدَّةٍ لَا نَدْرِي مَا هُوَ فَاعِلٌ فِيهَا قَالَ وَلَمْ تُمْكِنِّي كَلِمَةٌ أُدْخِلُ فِيهَا شَيْئًا غَيْرُ هَذِهِ الْكَلِمَةِ قَالَ فَهَلْ قَاتَلْتُمُوهُ قُلْتُ نَعَمْ قَالَ فَكَيْفَ كَانَ قِتَالُكُمْ إِيَّاهُ قُلْتُ الْحَرْبُ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ سِجَالٌ يَنَالُ مِنَّا وَنَنَالُ مِنْهُ قَالَ مَاذَا يَأْمُرُكُمْ قُلْتُ يَقُولُ اعْبُدُوا اللَّهَ وَحْدَهُ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَاتْرُكُوا مَا يَقُولُ آبَاؤُكُمْ وَيَأْمُرُنَا بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَالصِّدْقِ وَالْعَفَافِ وَالصِّلَةِ فَقَالَ لِلتَّرْجُمَانِ قُلْ لَهُ سَأَلْتُكَ عَنْ نَسَبِهِ فَذَكَرْتَ أَنَّهُ فِيكُمْ ذُو نَسَبٍ فَكَذَلِكَ الرُّسُلُ تُبْعَثُ فِي نَسَبِ قَوْمِهَا وَسَأَلْتُكَ هَلْ قَالَ أَحَدٌ مِنْكُمْ هَذَا الْقَوْلَ فَذَكَرْتَ أَنْ لَا فَقُلْتُ لَوْ كَانَ أَحَدٌ قَالَ هَذَا الْقَوْلَ قَبْلَهُ لَقُلْتُ رَجُلٌ يَأْتَسِي بِقَوْلٍ قِيلَ قَبْلَهُ وَسَأَلْتُكَ هَلْ كَانَ مِنْ آبَائِهِ مِنْ مَلِكٍ فَذَكَرْتَ أَنْ لَا قُلْتُ فَلَوْ كَانَ مِنْ آبَائِهِ مِنْ مَلِكٍ قُلْتُ رَجُلٌ يَطْلُبُ مُلْكَ أَبِيهِ وَسَأَلْتُكَ هَلْ كُنْتُمْ تَتَّهِمُونَهُ بِالْكَذِبِ قَبْلَ أَنْ يَقُولَ مَا قَالَ فَذَكَرْتَ أَنْ لَا فَقَدْ أَعْرِفُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِيَذَرَ الْكَذِبَ عَلَى النَّاسِ وَيَكْذِبَ عَلَى اللَّهِ وَسَأَلْتُكَ أَشْرَافُ النَّاسِ اتَّبَعُوهُ أَمْ ضُعَفَاؤُهُمْ فَذَكَرْتَ أَنَّ ضُعَفَاءَهُمْ اتَّبَعُوهُ وَهُمْ أَتْبَاعُ الرُّسُلِ وَسَأَلْتُكَ أَيَزِيدُونَ أَمْ يَنْقُصُونَ فَذَكَرْتَ أَنَّهُمْ يَزِيدُونَ وَكَذَلِكَ أَمْرُ الْإِيمَانِ حَتَّى يَتِمَّ وَسَأَلْتُكَ أَيَرْتَدُّ أَحَدٌ سَخْطَةً لِدِينِهِ بَعْدَ أَنْ يَدْخُلَ فِيهِ فَذَكَرْتَ أَنْ لَا وَكَذَلِكَ الْإِيمَانُ حِينَ تُخَالِطُ بَشَاشَتُهُ الْقُلُوبَ وَسَأَلْتُكَ هَلْ يَغْدِرُ فَذَكَرْتَ أَنْ لَا وَكَذَلِكَ الرُّسُلُ لَا تَغْدِرُ وَسَأَلْتُكَ بِمَا يَأْمُرُكُمْ فَذَكَرْتَ أَنَّهُ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَيَنْهَاكُمْ عَنْ عِبَادَةِ الْأَوْثَانِ وَيَأْمُرُكُمْ بِالصَّلَاةِ وَالصِّدْقِ وَالْعَفَافِ فَإِنْ كَانَ مَا تَقُولُ حَقًّا فَسَيَمْلِكُ مَوْضِعَ قَدَمَيَّ هَاتَيْنِ وَقَدْ كُنْتُ أَعْلَمُ أَنَّهُ خَارِجٌ لَمْ أَكُنْ أَظُنُّ أَنَّهُ مِنْكُمْ فَلَوْ أَنِّي أَعْلَمُ أَنِّي أَخْلُصُ إِلَيْهِ لَتَجَشَّمْتُ لِقَاءَهُ وَلَوْ كُنْتُ عِنْدَهُ لَغَسَلْتُ عَنْ قَدَمِهِ ثُمَّ دَعَا بِكِتَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّذِي بَعَثَ بِهِ دِحْيَةُ إِلَى عَظِيمِ بُصْرَى فَدَفَعَهُ إِلَى هِرَقْلَ فَقَرَأَهُ فَإِذَا فِيهِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مِنْ مُحَمَّدٍ عَبْدِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى هِرَقْلَ عَظِيمِ الرُّومِ سَلَامٌ عَلَى مَنْ اتَّبَعَ الْهُدَى أَمَّا بَعْدُ فَإِنِّي أَدْعُوكَ بِدِعَايَةِ الْإِسْلَامِ أَسْلِمْ تَسْلَمْ يُؤْتِكَ اللَّهُ أَجْرَكَ مَرَّتَيْنِ فَإِنْ تَوَلَّيْتَ فَإِنَّ عَلَيْكَ إِثْمَ الْأَرِيسِيِّينَ {وَيَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَنْ لَا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ}قَالَ أَبُو سُفْيَانَ فَلَمَّا قَالَ مَا قَالَ وَفَرَغَ مِنْ قِرَاءَةِ الْكِتَابِ كَثُرَ عِنْدَهُ الصَّخَبُ وَارْتَفَعَتْ الْأَصْوَاتُ وَأُخْرِجْنَا فَقُلْتُ لِأَصْحَابِي حِينَ أُخْرِجْنَا لَقَدْ أَمِرَ أَمْرُ ابْنِ أَبِي كَبْشَةَ إِنَّهُ يَخَافُهُ مَلِكُ بَنِي الْأَصْفَرِ فَمَا زِلْتُ مُوقِنًا أَنَّهُ سَيَظْهَرُ حَتَّى أَدْخَلَ اللَّهُ عَلَيَّ الْإِسْلَامَ وَكَانَ ابْنُ النَّاظُورِ صَاحِبُ إِيلِيَاءَ وَهِرَقْلَ سُقُفًّا عَلَى نَصَارَى الشَّأْمِ يُحَدِّثُ أَنَّ هِرَقْلَ حِينَ قَدِمَ إِيلِيَاءَ أَصْبَحَ يَوْمًا خَبِيثَ النَّفْسِ فَقَالَ بَعْضُ بَطَارِقَتِهِ قَدْ اسْتَنْكَرْنَا هَيْئَتَكَ قَالَ ابْنُ النَّاظُورِ وَكَانَ هِرَقْلُ حَزَّاءً يَنْظُرُ فِي النُّجُومِ فَقَالَ لَهُمْ حِينَ سَأَلُوهُ إِنِّي رَأَيْتُ اللَّيْلَةَ حِينَ نَظَرْتُ فِي النُّجُومِ مَلِكَ الْخِتَانِ قَدْ ظَهَرَ فَمَنْ يَخْتَتِنُ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ قَالُوا لَيْسَ يَخْتَتِنُ إِلَّا الْيَهُودُ فَلَا يُهِمَّنَّكَ شَأْنُهُمْ وَاكْتُبْ إِلَى مَدَايِنِ مُلْكِكَ فَيَقْتُلُوا مَنْ فِيهِمْ مِنْ الْيَهُودِ فَبَيْنَمَا هُمْ عَلَى أَمْرِهِمْ أُتِيَ هِرَقْلُ بِرَجُلٍ أَرْسَلَ بِهِ مَلِكُ غَسَّانَ يُخْبِرُ عَنْ خَبَرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمَّا اسْتَخْبَرَهُ هِرَقْلُ قَالَ اذْهَبُوا فَانْظُرُوا أَمُخْتَتِنٌ هُوَ أَمْ لَا فَنَظَرُوا إِلَيْهِ فَحَدَّثُوهُ أَنَّهُ مُخْتَتِنٌ وَسَأَلَهُ عَنْ الْعَرَبِ فَقَالَ هُمْ يَخْتَتِنُونَ فَقَالَ هِرَقْلُ هَذَا مُلْكُ هَذِهِ الْأُمَّةِ قَدْ ظَهَرَ ثُمَّ كَتَبَ هِرَقْلُ إِلَى صَاحِبٍ لَهُ بِرُومِيَةَ وَكَانَ نَظِيرَهُ فِي الْعِلْمِ وَسَارَ هِرَقْلُ إِلَى حِمْصَ فَلَمْ يَرِمْ حِمْصَ حَتَّى أَتَاهُ كِتَابٌ مِنْ صَاحِبِهِ يُوَافِقُ رَأْيَ هِرَقْلَ عَلَى خُرُوجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَّهُ نَبِيٌّ فَأَذِنَ هِرَقْلُ لِعُظَمَاءِ الرُّومِ فِي دَسْكَرَةٍ لَهُ بِحِمْصَ ثُمَّ أَمَرَ بِأَبْوَابِهَا فَغُلِّقَتْ ثُمَّ اطَّلَعَ فَقَالَ يَا مَعْشَرَ الرُّومِ هَلْ لَكُمْ فِي الْفَلَاحِ وَالرُّشْدِ وَأَنْ يَثْبُتَ مُلْكُكُمْ فَتُبَايِعُوا هَذَا النَّبِيَّ فَحَاصُوا حَيْصَةَ حُمُرِ الْوَحْشِ إِلَى الْأَبْوَابِ فَوَجَدُوهَا قَدْ غُلِّقَتْ فَلَمَّا رَأَى هِرَقْلُ نَفْرَتَهُمْ وَأَيِسَ مِنْ الْإِيمَانِ قَالَ رُدُّوهُمْ عَلَيَّ وَقَالَ إِنِّي قُلْتُ مَقَالَتِي آنِفًا أَخْتَبِرُ بِهَا شِدَّتَكُمْ عَلَى دِينِكُمْ فَقَدْ رَأَيْتُ فَسَجَدُوا لَهُ وَرَضُوا عَنْهُ فَكَانَ ذَلِكَ آخِرَ شَأْنِ هِرَقْلَ رَوَاهُ صَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ وَيُونُسُ وَمَعْمَرٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ

اخرجة البخاري (7)

شرح الحديث

يَحكي أبو سُفْيانَ رضي الله عنه أنَّه بَينَما كانَ في رِحْلة تِجارةٍ بِبِلادِ الشَّامِ مَعَ جَماعةٍ مِن قُرَيْش، أرْسَلَ إليه هِرَقْلُ مَلِك الرُّومِ يَطلُب مُقابَلتَه، في المُدَّةِ الَّتي كانَ رَسولُ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم “مادَّ” فيها أبا سُفْيانَ وَكُفَّارَ قُرَيْش، أي: في مُدَّةِ الهُدنةِ الَّتي تَمَّت بَينَ النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم وَكُفَّار قُرَيْش بَعدَ صُلْح الحُدَيْبيةِ، فَأتَوْه وَهُم بِإيلِياءَ، أي: فاجتَمَعَ أبو سُفْيانَ وَأصْحابُه بِهِرَقْلَ في مَدينةِ بَيتِ المَقدِسِ فَدَعاهُم إِلى مُقابَلَتِه في مَجلِسِه، وَحَوْلَه عُلَماءُ الدِّينِ، وَكِبارُ رِجالِ الدَّوْلةِ، ثُمَّ دَعاهُم، أي: أدْناهُم مِنه، وَقَرَّبَهم إِلَيه وأَرسَلَ إِلى “تُرْجُمانِه”، وَهوَ ناقِلُ الكَلامِ مِن لُغةٍ إِلى لُغةٍ أُخْرى، فَقالَ التَّرجُمانُ: أيُّكم أقرَب نَسَبًا بِهَذا الرَّجُلِ الَّذي يَزعُم أنَّه نَبيٌّ؟ فَأجابَ أبو سُفْيانَ: أنا أقْرَبُهم نَسَبًا وَهوَ الواقِعُ؛ لأنَّ بَني هاشِم وَبَني أُمِّيَّةَ أبْناء عُمومة، يَنحَدِرونَ عَن أصْلٍ واحِدٍ. فَأمَرَ هِرَقْلُ الرُّومَ بِتَقريب أبي سُفْيانَ مِنه، وَأدْناه مِن مَجلِسِه ليَسألَه عَن النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم وقَرَّبَ أصْحابَه فَجَعَلَهم وَراءَ ظَهرِ أبي سُفْيانَ، وَقالَ لتَرْجُمانِه: قُلْ لَهُم إِنِّي سائِلٌ هَذا عَن مُحَمَّد، فَإِن كَذَّبَني فَكَذِّبوه؛ وذلكَ ليَتَحَرَّى الصِّدْقَ في كَلامِه، وَلا يَشْهَدَ إِلَّا بِالحَقِّ. قالَ أبو سُفْيانَ: فَواللَّهِ لَوْلا الحَياءُ مِن أن يَأْثِروا عَلَيَّ كَذِبًا، أي: لَوْلا الحَياءُ مِن أن يَرْوُوا عَنِّي الكَذِبَ في بِلادي فأُعاب بِه عِندَ قَوْمي لَكَذَبْتُ في الحَديثِ عَنه، وَوَصَفتُه بِخِلافِ الواقِعِ. فَأوَّلُ ما سَألَه: كَيْفَ نَسَبُه فيكُم؟ فَأجابَه: هوَ فينا ذو نَسَبٍ، أي: ذو نَسَب رَفيع. ثُمَّ سَألَه: فَهَلْ قالَ هَذا القَولَ أحَدٌ قَبلَه قَطُّ؟ أي: فَهَل ادَّعى أحَدٌ مِن العَرَبِ النُّبُوَّةَ قَبلَ ظُهورِه؟ فَأجابَه: لا لَم يَحدُث أن ادَّعى أحَدٌ النُّبُوَّةَ قَبلَه. ثُمَّ سَألَه: هَلْ كانَ أحَدٌ مِن آبائِه مِن مَلِك؟ أي: هَلْ تَوَلَّى أحَد مِن آبائِه المُلكَ؟ فَأجابَه: لا. قالَ: ثُمَّ سَألَه: أشْرافُ النَّاسِ يَتَّبِعونه أم ضُعَفاؤُهم؟ أي: السَّادة والقادة يَتَّبِعونه، أم المَساكين والأحْداث والفُقَراء؟ فَأجابَه: بَل أكْثَر أتْباعِه الضُّعَفاءُ. فَسَألَه: أيَزيدونَ أم يَنقُصونَ؟ فَأجابَه: بَل يَزيدونَ وَيَتَكاثَرُ عَدَدهمْ. فَسَألَه: فَهَلْ يَرتَدُّ أحَد مِنْهُم “سَخْطةً” لدينِه؟ أي: بُغْضًا للإسلامِ وَكَراهيةً لَه وَنُفورًا مِنه؟ فَأجابَه: لا. فَسَألَه: هَلْ كُنتُم تَتَّهِمونَه بِالكَذِبِ قَبلَ أن يَقولَ ما قالَ؟ أي: قَبلَ أن يَدَّعيَ النُّبُوَّةَ؟ فَأجابَه: لا. فَسَألَه: هَل يَغدِر؟ أي: يَنُقض العَهدَ. فَأجابَه: لا وَنَحنُ فى “مُدَّة”، أي: في هُدْنةٍ مُؤَقَّتةٍ بِعَشْرِ سَنواتٍ، وَهيَ صُلح الحُدَيبيةِ، لا نَدري ما هوَ فاعِلٌ فيها مِن الوَفاءِ أو الغَدرِ. وَلَم أجِد كَلِمةً أنْتَقِصه فيها غَيرَ هذه. فَسَألَه: فَهَل قاتَلتُموه؟ فَأجابَه: نَعَم. فَسَألَه: فَكَيفَ كانَ قِتالكُم إيَّاه؟ قُلتُ: الحَربُ بَينَنا وَبَينَه “سِجال”، أي: نُوَب، نَوْبة لَنا، وَنَوْبة لَه، “يَنالُ مِنَّا وَنَنالُ مِنه”، أي: مَرَّةً يَنتصِر عَلَينا وَمَرَّةً نَنتصِر عَلَيه. فَسَألَه: فَماذا يَأمُركم؟ فَأجابَه: يَقول اعْبُدوا اللهَ وَحدَه وَلا تُشرِكوا بِه شَيئًا واتْرُكوا ما يَقول آباؤُكم وَيَأمُرنا بِالصَّلاةِ والصِّدقِ والعَفافِ، أي: الكَفِّ عَن المَحارِمِ، وَكُلِّ ما يُنافي المُروءةَ والصِّلةَ، أي: الإِحْسان إِلى الأقارِبِ خاصَّةً وَإِلى النَّاسِ عامَّة، فَيَدخُل فيه جَميعُ أنْواعِ البَرِّ. فَأخْبَره هِرَقْلُ أنَّه سَألَه عَن نَسَبِ مُحَمَّد، فَذَكرتَ أنَّه فيكُم ذو نَسَب، فكَذَلكَ الرُّسُل تُبْعَثُ في نَسَبِ قَومِها، أي: وهَكَذا الرُّسُل يَختارُهم الله مِن أشْرَفِ القَومِ نسبًا وحَسَبًا. وَأنَّه سَألَه هَلْ قالَ أحَد مِنْكم هَذا القَوْلَ قَبلَه فَذَكَرتَ أن لا، فَقُلتُ: لَو كانَ أحَد قالَ هَذا القَولَ قَبلَه لَقُلتُ: رَجُل يَتأسَّى بِقَولٍ قِيلَ قَبلَه، أي: لَظَنَنْتُ أنَّه اقْتَدى بِغَيرِه مِن أدْعياءِ النُّبُوَّة. وَأنَّه سَألَه هَلْ كانَ مِن آبائِه مِن مَلِك، فَذَكَرتَ أن لا، فَقُلتُ: لَوْ كانَ مِن آبائِه مِن مَلِكٍ قُلتُ: رَجُل يَطلُب مُلكَ أبيه، أي: يُحاوِل أن يَستَعيدَ مُلكَ أبيه لنَفسِه، وَلَكنَّه لَيْسَ مِن أبناءِ المُلوكِ حَتَّى يُظَنَّ بِه ذَلِكَ. وَأنَّه سَألَه هَلْ كُنتُم تَتَّهِمونَه بِالكَذِبِ قَبلَ أن يَقولَ ما قالَ؟ فَذَكَرتَ أن لا، فَقَد أعْرِف أنَّه لَم يَكُن ليَذَرَ الكَذِبَ، أي: ليَدَعَ الكَذِبَ عَلى النَّاسِ وَيَكذِب عَلى الله؛ لأنَّ الكَذِبَ عَلى الله أشْنَعُ وَأعظَمُ جُرمًا. وَأنَّه سَألَه أشْرافُ النَّاسِ اتَّبَعوه أم ضُعفاؤُهم؟ فَذَكَرتَ: أنَّ ضُعَفاءَهم اتَّبَعوه، وَهُم أتْباعُ الرُّسُلِ. وَأنَّه سَألَه أيَزيدونَ أم يَنقُصونَ؟ فَذَكَرتَ أنَّهم يَزيدونَ، وَكَذَلِكَ أمرُ الإيمانِ حَتَّى يَتِمَّ. وَأنَّه سَألَه أيَرتَدُّ أحَد مِنهم سَخْطةً لدينِه بَعدَ أن يَدخُل فيهِ؟ فَذَكَرتَ أن لا وَكَذَلِكَ الإيمانُ حينَ تُخالِط “بِشاشَتُه القُلوبَ”، أي: حينَ تُمازِج حَلاوتُه قُلوبَ مُعتَنِقيه. وَأنَّه سَألَه هَلْ يَغدِر؟ فَذَكَرتَ أن لا، وَكَذَلِكَ الرُّسُل لا تَغدِر؛ لأنَّ الغَدرَ نَقيصة يَتنزَّه عَنها فُضَلاءُ النَّاسِ، فَضلًا عَن الأنْبياءِ. وَأنَّه سَألَه بِماذا يَأمُركم؟ فَذَكَرتَ أنَّه يَأمُركم أن تَعبُدوا اللهَ وَحدَه، وَلا تُشرِكوا بِه شَيئًا، وَيَنْهاكم عَن عِبادةِ الأوْثانِ، وَيَأمُركم بِالصَّلاةِ والصِّدقِ والعَفافِ، فَإِن كانَ ما تَقولُ حَقًّا، فَسَيَملِك مَوْضِعَ قَدَميَّ هاتَينِ، أي: أرضَ بَيتِ المَقدِسِ، أو أرضَ مُلكِه. وَقَد كُنْتُ أَعلَم أنَّه خارِجٌ وَلَم أكُن أظُنُّ أنَّه مِنكم، فَلَوْ كُنتُ أَعلَم أنِّي أَخلُص إِلَيه، أي: أَصِل إِلَيْه “لَتَجَشَّمتُ لقاءَه”، أي: لَتَكَلَّفتُ عَناءَ السَّفرِ إِلَيْه، وَلَو كُنتُ عِندَه لَغَسَلتُ عَن قَدَمِه، أي: لَغَسَلتُ وَجْهي مِن الماءِ الَّذي يَسيل مِن قَدَمِه. ثُمَّ دَعا بِكِتابِ رَسولِ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم الَّذي بَعَثَ بِه دِحْيةُ الكَلْبيُّ إِلى عَظيمِ بُصْرى، أي: إِلى أميرِها الحارِث بنِ أبي شمر الغَسَّانيِّ، فَأرسَلَه عَظيمُ بُصْرى إِلى هِرَقْلَ، فَقَرَأه، فَإِذا فيه: بِسمِ الله الرَّحمنِ الرَّحيمِ، مِن مُحَمَّد عَبد الله وَرَسولِه إِلى هِرَقْلَ عَظيمِ الرُّومِ، أي: المُعَظَّم عِندَهم، سَلام عَلى مَن اتَّبَعَ الهُدى، وَهيَ صيغةٌ للتَّحيَّةِ في مُخاطَبةِ الكُفَّارِ. أمَّا بَعدُ، فَإِنِّي أدْعوك بِدَعايةِ الإِسلامِ، أي: بِدَعْوتِه، أسلِم تَسلَم في الدُّنيا بِالنَّجاةِ مِن الحَربِ والجِزْيةِ، وَفي الآخِرةِ بِالنَّجاةِ مِن النَّارِ، يُؤْتِك الله أجرَك مَرَّتَينِ مَرَّةً عَلى إيمانِك بِنَبيِّك عيسى، وَمَرَّةً عَلى إِسْلامِك، فَإِن تَوَلَّيْت فَإِنَّما عَلَيْك إِثْم “الأَريسيِّينَ”، أي: إِثم أتْباعِك مِن عامَّةِ الشَّعبِ. وَ{يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ}، أي: نستوي فيها جَميعًا؛ لأنَّها تَتَّفِق عَلَيها جَميعُ الأدْيانِ السَّماويَّة. {أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ}، أي: فَقَد لَزِمَتكم الحُجَّةُ فاعْتَرِفوا بِأنَّا مُسلِمونَ دونَكم، وَأنَّكم كافِرونَ بِاللهِ. قالَ أبو سُفْيانَ: فَلمَّا قالَ ما قالَ، وَفَرَغَ مِن قِراءةِ الكِتابِ، كَثُرَ عِنْدَه “الصَّخَبُ”، أي: اللَّغَطُ والخِصامُ وارْتَفَعَتْ الأصْواتُ وأخْرَجَنَا مِن مَجلِسِه. وَقالَ أبو سُفْيان لأصْحابِه: لَقَد أَمِرَ أمرُ ابنِ أبي كَبْشةَ، أي: لَقَدْ عَظُمَ شَأنُ مُحَمَّد الَّذي كُنَّا نَدعوه اسْتِهزاءً وَسُخْريةً بِه عِندَما كانَ يُحَدِّثنا بِهَذِه الكُنْيةِ، فَنَقولُ: هَذا ابنُ أبي كَبْشةَ يُكَلَّمُ مِن السَّماءِ، وَأبو كَبْشةَ أبوه مِن الرَّضاعةِ، واسْمُه الحارِثُ بنُ عَبدِ العُزَّى، إِنَّه يَخافه مَلِك بَني الأصْفَرِ، أي: أنَّ هَذا الَّذي كُنَّا نَسْتَخِفُّ بِه، فَنَدعوه بِهَذِه الكُنيةِ، قَد وَصَلَ إِلى هَذا المُستَوى، وَعَلا قَدْرُه، حَتَّى أصْبَحَ يَخافُه مَلِكُ الرُّومِ، وَيَعترِفُ لَه بِالفَضلِ والنُّبوَّةِ، فَما زِلْت موقِنًا أنَّه سَيَظهَر، أي: يَنتصِر وَيَنشُر دينَه في المُستَقبَلِ القَريبِ، حَتَّى أدخَلَ الله عَلَيَّ الإِسْلامَ وَوَفَّقَني إِلَيْه. وَكانَ ابنُ النَّاطورِ، وَهوَ أميرُ بَيْتِ المَقدِسِ وَصَديقُ هِرَقْلَ رَئيسًا للدِّيانةِ المَسيحيَّةِ بِالشَّامِ يُحَدِّث أنَّ هِرَقْلَ حينَ قَدِمَ إِيلِياءَ أصْبَحَ خَبيثَ النَّفسِ، أي: قَلِقًا مَهْمومًا، فَقالَ لَه بَعضُ “بَطارِقتِهِ”، أي: قُوَّاده، قَد اسْتَنكَرْنا هَيئَتَك، أي: لاحَظنَا عَلَيك تُغيُّرَ وَجهِك، مِمَّا يَدُلُّ عَلى مُعاناتِك لبَعْضِ الهُمومِ النَّفسيَّة. قالَ ابن النَّاطورِ: وَكانَ هِرَقْلُ حَزَّاءً: يَنظُر إِلى النُّجومِ، أي: يَنظُر إِلَيْها، فَيَسْتَدِلُّ بِها في زَعْمِه عَلى ما يَقَع في المُستَقبَلِ أو في الحالِ، “والحَزَّاءُ”: الكاهِن المُنَجِّم، فَقالَ لَهُم حينَ سَألوه: إِنِّي رَأيْتُ اللَّيلةَ حينَ نَظَرتُ في النُّجومِ أنَّ مَلِكَ الخِتانِ قَد ظَهَرَ، أي: عَرَفتُ مِن النُّجومِ أنَّ مَلِكَ الأُمَّةِ الَّتي تَخْتَتِن قَد ظَهَرَ، فَمَن يَخْتَتِن مِن هَذِه الأُمَّةِ؟ قالوا: لَيْسَ يَخْتَتِنُ إِلَّا اليَهود، فَلا يُهِمَّنَّك شَأْنُهم؛ لأنَّهم لا دَوْلةَ لَهُم وَلا صَوْلةَ، واكْتُبْ إِلى مَدائِنِ مُلْكِك فَيَقتُلوا مَن فيهِم مِن اليَهودِ، أي: إِن كُنْتَ تَخْشى مِنْهم فاسْتَأْصِلهم، فَبَينَما هُم عَلى أمْرِهِم، أي: فَبَينَما هُم في حَيْرةٍ مِن أمْرِهم أُتيَ هِرَقْلُ بِرَجُلٍ أرْسَلَه مَلِكُ غَسَّانَ، وَهوَ عَدِيُّ بنُ حاتِم، يُخبِر عَن خَبَرِ رَسولِ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم، أي: يَتَحَدَّث، فَيَقول: خَرَجَ بَيْن أظْهُرِنا رَجُل يَزعُم أنَّه نَبيٌّ اتَّبَعَه ناس، وَخالَفَه ناس، فَلَمَّا اسْتَخْبَره هِرَقْلُ، قالَ: اذْهَبوا فانْظُروا أمُخْتَتِن هوَ أم لا؟ أي: فَلَمَّا أحْضَرَه هِرَقْلُ بَينَ يَدَيْه، وَسَألَه عَن قِصَّةِ هَذا الرَّجُل الَّذي يَزعُم أنَّه نَبيٌّ، أمَرَهم بِالكَشفِ عَلَيه، حَتَّى يَنظُروا أهو مُخْتَتِن أم لا؟ فَنَظَروا إِلَيْه وَكَشَفوا عَلَيه فَأخْبَروه أنَّهم وَجَدوه مُخْتَتِنًا، وَسَألَه عَن العَرَبِ، فَقالَ: هُم يَختَتِنون، فَعَرَفَ أنَّ ما شاهَدَه هُم العَرَبُ، فَقالَ هِرَقْلُ: هَذا مَلِك هَذِه الأُمَّةِ قَد ظَهَرَ، أي: هَذا الَّذي رَأيتُه في النُّجومِ مَعْناه أنَّ مَلِكَ الأُمَّةِ الَّتي تَخْتَتِنُ، وَهُم العَرَبُ، قَد ظَهَرَ عَلى هَذِه الأرضِ، وَأنَّ دَوْلتَهم سَتَغلِب عَلى هَذِه البِلادِ كُلُّها، ثُمَّ كَتَبَ هِرَقْلُ إِلى صاحِبٍ لَه بِروميَّةَ، وَهيَ: روما عاصِمةُ إيطاليا اليَومَ، وَكانَ نَظيرَه في العِلم، وَسارَ هِرَقْلُ إِلى حِمْصَ، فَلَم “يَرِم حِمْصَ”، أي: لَم يَكَدْ يَصِل إِلَيْها حَتَّى أتاه كِتابٌ مِن صاحِبِه في رُوميَّةَ، وَكانَ أُسْقُف روما يوافِقُ رَأْيَ هِرَقْلَ عَلى خُروجِ النَّبيِّ، وَأنَّه نَبيٌّ، أي: عَلى ظُهورِ النَّبيِّ الَّذي بَشَّرَ بِه عيسى، وَأنَّ مُحَمَّدًا صلَّى الله عليه وسلَّم هوَ النَّبيُّ المُبَشَّرُ بِه، فَأعْلَنَ هِرَقْلُ لعُظَماءِ دَولتِه عَن عَقْدِ اجْتِماعٍ في قَصرٍ عَظيمٍ بِحِمْصَ؛ لكَيْ يُلقيَ فيهِم خِطابًا مُهِمًّا، ثُمَّ أمَرَ بِأبوابِها فَغُلِّقَتْ، أي: دَخَلَ جَناحًا خاصًّا أغْلَقَ أبْوابَه عَلَيْه، ثُمَّ اطَّلَعَ، أي: أطَلَّ عَلَيهم مِن “الشُّرْفةِ”، وَهيَ أعْلى البِناءِ، فَقالَ: يا مَعْشَرَ الرُّومِ، هَلْ لَكُم في الفَلاحِ، أي: هَلْ تَرغَبونَ في الفَوْزِ والظَّفَرِ، والرُّشدِ وَهوَ إِصابةُ الحَقِّ عَقيدةً وَقَوْلًا وَعَمَلًا، وَأن يَثبُت مُلكُكم، أي: يَبْقى وَيَدوم لَكُم، فَتُبايِعوا هَذا الرَّجُلَ، أي: تُعاهِدوا مُحَمَّدًا عَلى الإِسْلامِ، “فَحاصوا حَيْصةَ حُمُرِ الوَحْشِ”، أي: ثاروا ثَوْرةَ الحُمُر الوَحشيَّة، إِلى الأبوابِ، أي: وَهَجَموا عَلى الأبْوابِ يُريدونَ الوُصولَ إِلَيه ليَفتِكوا بِه، فَوَجَدوها قَد غُلِّقَتْ، فَلَمَّا رَأى هِرَقْلُ “نَفْرَتَهم”، أي: فَلَمَّا رَأى نُفورَهم مِن الإِسْلامِ وَثَوْرتَهم العَنيفةَ عَلَيه وأَيِسَ مِن الإيمانِ، قالَ: رُدُّوهم عَلَيَّ، أي: قالَ لجُندِه: رُدُّوهم عَنِّي، وَقالَ: إِنِّي قُلتُ مَقالَتي “آنِفًا”، أي: سابِقًا، أخْتَبِر شِدَّتَكم عَلى دِينِكم، أي: لأخْتَبِر صَلابَتكم في دينِكم، وَشِدَّة تَمَسُّككم بِه وَقوَّة دِفاعِكم عَنه، فَقَد رَأيْت، فَسَجَدوا لَه عَلى عادةِ الأعاجِمِ، فَكانَ ذَلِكَ آخَر شَأْنِ هِرَقْلَ، أي: نِهاية قِصَّتِه وَمَوقِفِه مِن كِتابِ رَسولِ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم.
في الحَديثِ: مُلاطَفةُ المَكْتوبِ إِلَيه، وَتَقديرُه التَّقديرَ اللَّائِقَ المُناسِبَ، الَّذي لا يَتَجاوَزُ حُدودَ الشَّريعةِ الإِسْلاميَّةِ.
وَفيه: أنَّ الكِتابيَّ إِذا أسْلَمَ لَه أجْرانِ.
وَفيه: اسْتِقباحُ الكَذِبِ عِندَ جَميعِ الأُمَمِ والشُّعوبِ

المصادرو المراجع

  1. صحيح البخاري (7)
  2. صحيح ابن حبان (6555)
  3. صحيح مسلم (1773)
شارك المقالة

عن فريق ابحاث wikilnfinity

فريق متخصص في البحث و التحقيق و المواضيع المتنوعة الايميل الرسمي لفريق ابحاث wikilnfinity gw@wikilnfinity.com

ابحث عنها في البحث

حديث ( قَالَ يَدْخُلُ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ وَأَهْلُ النَّارِ النَّارَ ثُمَّ يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى أَخْرِجُوا مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَانٍ )

حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ حَدَّثَنِي مَالِكٌ عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى الْمَازِنِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ …

تعليقك على المقالة